عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

153

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

يكون الذكر والذاكر والمذكور واحدا . كما قال تعالى : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [ غافر : 16 ] وقال قائلهم : رق الزجاج ورقت الخمر * فتشابها فتشاكل الأمر فكأنها خمر ولا قدح * وكأنه قدح ولا خمر ويحل هذا المشكل في مثل حال الفراش مع الشمع فإن يقول للفراش اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي فذكر الفراش للشمع في نفسه أن يبذل نفسه لشعلة الشمع فيذكر شعلة الشمع في نفسه بالحرقة عليها ويذكره الشمع باشتعال نفس الفراش في نفسه . فلا يبقى التمييز بين الشمع والفراش . فإن طلبت الفراش وجدت الشمع وإن طلبت الشمع وجدت الفراش . كما قيل : أنا من أهوى ومن أهوى أنا * نحن روحان حللنا بدنا فإذا أبصرتني أبصرته * وإذا أبصرته أبصرتنا وإن للذكر شرائط وآدابا ليكون مثمرا مفيدا فمن شرطه أن يواظب على أفضل ذكر من الأذكار . وهو ما قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « أفضل الذكر لا إله إلا اللّه » « 1 » ومن شرطه أن يأخذ هذا الذكر بالتلقين من رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - . فيما روى « شداد بن أوس » و « عبادة بن الصامت » حاضر يصدقه قال : إنا لعند رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إذ قال : « هل فيكم غريب يعني أهل الكتاب ؟ . قلنا : يا رسول اللّه لا ، فأمر بغلق الباب ، فقال : « ارفعوا أيديكم فقولوا لا إله إلا اللّه . فرفعنا أيدينا ساعة ثم وضع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ثم قال : الحمد للّه ، اللهم إنك بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ، فوعدتني عليها الجنة إنك لا تخلف الميعاد ثم قال : أبشروا فإن اللّه قد غفر لكم » « 2 » . وقد لقن الصحابة التابعين من المشايخ شيخا بعد شيخ إلى زماننا هذا كل من كان أهل الذكر منهم ، كما كان الصحابة بقوله تعالى : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى [ الفتح : 26 ] وهي لا إله إلا اللّه وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها [ الفتح : 26 ] وأن أهل الذكر من غرس بالتلقين في أرض قلبه غرس الكلمة الطيبة وربي بماء الأعمال الصالحة بدهقة المتابعة ونظر شمس الولاية في هواء الإرادة إلى أن

--> ( 1 ) رواه الترمذي في الجامع الصحيح ، كتاب الدعوات ، باب ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة ، حديث رقم ( 3381 ) ورواه ابن ماجة في سننه ، كتاب الأدب ، باب فضل الحامدين ، حديث رقم ( 3800 ) ورواه غيرهما . ( 2 ) رواه الحاكم في المستدرك ، كتاب الدعاء والتكبير . . . ، حديث رقم ( 1844 ) ورواه أحمد في المسند عن شداد بن أوس ، حديث رقم ( 17162 ) ، ورواه غيرهما .